فخر الدين الرازي

116

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أحوال الأولين في هذا الباب سلاه بعد ذلك من وجه آخر ، وهو قوله : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ وفيه وجوه أحدها : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحوزته ، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه ، فلا يجد مهربا يقول تعالى : فهو كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم إياك ، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم وثانيها : أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقول تعالى : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها [ الفتح : 21 ] وقوله : وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] وقوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك ، يقول : فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا الهلاك وثالثها : أن يكون المراد واللّه محيط بأعمالهم ، أي عالم بها ، فهو مرصد بعقابهم عليها ، ثم إنه تعالى سلى رسوله بعد ذلك بوجه ثالث ، وهو قوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : تعلق هذا بما قبله ، هو أن هذا القرآن مجيد مصون عن التغير والتبدل ، فلما حكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم ، وبتأذي قوم من قوم ، امتنع تغيره وتبدله ، فوجب الرضا به ، ولا شك أن هذا من أعظم موجبات التسلية . المسألة الثانية : قرئ : قُرْآنٌ مَجِيدٌ بالإضافة ، أي قرآن رب مجيد ، وقرأ يحيى بن يعمر ( في لوح ) واللوح الهواء يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح المحفوظ ، وقرئ ( محفوظ ) / بالرفع صفة للقرآن كما قلنا : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال هاهنا : فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ وقال في آية أخرى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [ الواقعة : 77 ، 78 ] فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحدا ثم كونه محفوظا يحتمل أن يكون المراد كونه محفوظا عن أن يمسه إلا المطهرون ، كما قال تعالى : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [ الواقعة : 79 ] ويحتمل أن يكون المراد كونه محفوظا من اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين ويحتمل أن يكون المراد أن لا يجري عليه تغيير وتبديل . المسألة الرابعة : قال بعض المتكلمين إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرءونه ولما كانت الأخبار والآثار واردة بذلك وجب التصديق ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .